السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

133

مختصر الميزان في تفسير القرآن

عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ ، إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ : إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ ، قالُوا : لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ، قالَ أَ بَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ؟ قالُوا ، بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ ( الحجر / 55 ) ، وكذلك زوجته على ما حكاه اللّه تعالى في قصة بشارته أيضا إذ قال تعالى : وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ ، فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ ، قالَتْ ، يا وَيْلَتى أَ أَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ، قالُوا أَ تَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ، رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ( هود / 73 ) ، وكلامهما كما ترى يلوح منه آثار اليأس والقنوط ولذلك قابلته الملائكة بنوع كلام فيه تسليتهما وتطييب أنفسهما فما كان هو ولا أهله يعلم أن سيرزق ذريّة ، وقول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : ومن ذريتي ، بعد قوله تعالى : إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً ، قول من يعتقد لنفسه ذرية ، وكيف يسع من له أدنى دربة بأدب الكلام وخاصة مثل إبراهيم الخليل في خطاب يخاطب به ربه الجليل أن يتفوه بما لا علم له به ؟ ولو كان ذلك لكان من الواجب أن يقول : ومن ذريتي إن رزقتني ذرية أو ما يؤدي هذا المعنى فالقصة واقعة كما ذكرنا في أواخر عهد إبراهيم بعد البشارة . على أن قوله تعالى : وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ : إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً ، يدل على أن هذه الإمامة الموهوبة إنما كانت بعد ابتلائه بما ابتلاه اللّه به من الامتحانات وليست هذه الا أنواع البلاء التي ابتلى عليه السّلام بها في حياته ، وقد نص القرآن على أن من أوضحها بلاء قضية ذبح إسماعيل ، قال تعالى : قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ، إلى أن قال : إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ ( الصافات / 106 ) . والقضية انما وقعت في كبر إبراهيم ، كما حكى اللّه تعالى عنه من قوله : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ ، وَإِسْحاقَ ، إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ ( إبراهيم / 41 ) . ولنرجع إلى ألفاظ الآية فقوله : وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ ، الابتلاء والبلاء بمعنى واحد تقول : ابتليته وبلوته بكذا ، أي امتحنته واختبرته ، إذا قدمت اليه أمرا أو أوقعته في حدث فاختبرته